تاريخ الإنترنت: رحلة عبر الزمن من البداية للـ Web3.

لم يكن الإنترنت يوماً مجرد مجموعة من الأسلاك المترابطة أو الخوادم البعيدة؛ إنه قصة طموح إنساني لا يهدأ، ومحاولة أزلية لمد الجسور بين العقول البشرية متجاوزةً عوائق الجغرافيا والزمن. إننا اليوم لا نستخدم الإنترنت، بل نعيش فيه. ولكن، لكي نفهم هذا الفضاء السيبراني الذي يسكننا، علينا أن نعود للوراء، إلى تلك اللحظة التي قرر فيها الإنسان أن يحول نبضات الكهرباء إلى لغة تواصل عالمية، رحلة بدأت بمختبرات عسكرية وانتهت بوعي جماعي يمتد إلى ما نطلق عليه اليوم “الويب 3”.

بذور الاتصال: عندما بدأت الآلات تتحدث

في ذروة الحرب الباردة في الستينيات، لم يكن أحد يتخيل أن مشروعاً يهدف لحماية البيانات العسكرية سيتحول إلى منصة لنشر صور القطط وتداول العملات الرقمية. بدأ كل شيء مع “أربانت” (ARPANET)، وهو مشروع لوزارة الدفاع الأمريكية. كان الهدف بسيطاً في ظاهره، معقداً في تنفيذه: كيف يمكننا ربط أجهزة حاسوب متباعدة بحيث إذا تعطل أحدها، تظل الشبكة قادرة على العمل؟

في ذلك الوقت، كانت الحواسيب بحجم غرف كاملة، وكانت لغة التواصل بينها بدائية جداً. في عام 1969، تم إرسال أول رسالة عبر الشبكة بين جامعة كاليفورنيا ومعهد ستانفورد. كانت الكلمة المقررة هي “Login”، لكن النظام تعطل بعد إرسال أول حرفين فقط، فوصلت الرسالة كـ “Lo”. هذه البداية المتعثرة كانت ولادة “بروتوكول” الاتصال، تلك القواعد التي تضمن أن الآلات تفهم بعضها البعض.

تجاوزت هذه المرحلة فكرة “السرية العسكرية” لتصبح مشروعاً أكاديمياً. بدأ الباحثون يدركون أن القيمة الحقيقية للشبكة ليست في نقل البيانات الحربية، بل في مشاركة المعرفة. لقد كان الإنترنت في بدايته “نخبوياً”، مقتصرًا على العلماء والمهندسين الذين يتقنون لغات البرمجة المعقدة، ولم يكن يمتلك تلك الواجهات الجميلة التي نراها اليوم. كان عالماً من النصوص الصامتة والرموز الجافة، لكنه كان يحمل في طياته وعداً بحرية تدفق المعلومات.

الويب 1.0: عصر القراءة والمكتبة الكونية

جاءت التحول الكبير في أوائل التسعينيات على يد عالم بريطاني يدعى “تيم بيرنرز لي”. بينما كان يعمل في منظمة “سيرن” للأبحاث النووية، شعر بالإحباط من صعوبة الوصول إلى المعلومات المخزنة في حواسيب مختلفة. ومن هنا ابتكر “الويب” (World Wide Web). يجب أن نميز هنا بين الإنترنت (البنية التحتية) والويب (الخدمة التي نستخدمها لتصفح المعلومات).

هذا العصر، الذي نطلق عليه “الويب 1.0″، كان يشبه مكتبة ضخمة جداً. كان المستخدم “قارئاً” فقط. تدخل إلى الموقع، تقرأ المعلومة، وتخرج. لم يكن هناك تفاعل، لا توجد تعليقات، ولا منصات تواصل اجتماعي. كانت المواقع عبارة عن صفحات ثابتة (Static)، تشبه الجرائد الورقية لكن على الشاشة.

في هذه المرحلة، ظهرت المتصفحات الأولى مثل “نتسكيب” (Netscape)، وبدأ الناس يكتشفون سحر “الروابط التشعبية” (Hyperlinks). تلك الضغطة الصغيرة التي تنقلك من مقال في لندن إلى صورة في طوكيو كانت بمثابة السحر. لقد بدأ الإنترنت يتحول من أداة علمية إلى ظاهرة اجتماعية. ظهرت محركات البحث الأولى مثل “ياهو”، وبدأ البريد الإلكتروني يحل محل الرسائل الورقية. كان الويب 1.0 هو مرحلة “توفير المعلومات”، حيث أصبح العالم لأول مرة في تاريخه يمتلك أرشيفاً رقمياً مفتوحاً للجميع، وإن كان من طرف واحد.

الويب 2.0: عندما أصبحنا نحن المحتوى

مع بداية الألفية الجديدة، حدث تحول جذري لم يغير التكنولوجيا فحسب، بل غير السلوك البشري. ظهر ما يسمى “الويب 2.0”. لم يعد المستخدم مجرد قارئ، بل أصبح “صانعاً” للمحتوى. ظهرت المدونات، ثم جاءت الانفجارات الكبرى: “فيسبوك”، “يوتيوب”، “تويتر”.

في هذا العصر، أصبح الإنترنت “اجتماعياً”. لم نعد نبحث عن معلومات جافة فقط، بل أصبحنا نبحث عن بعضنا البعض. الإنترنت في الويب 2.0 أصبح مرآة للحياة البشرية بكل صخبها وتناقضاتها. استطاع أي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً أن يصبح صحفياً، أو فناناً، أو مؤثراً. هذا الانفتاح كسر احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى للمعلومة، ومنح صوتاً لمن لا صوت لهم.

ولكن، كان لهذه الحرية ثمن باهظ لم ندركه إلا متأخراً. في الويب 2.0، أصبحت بياناتنا هي “النفط الجديد”. الشركات العملاقة التي قدمت لنا الخدمات مجاناً، بدأت في الحقيقة ببيع انتباهنا وخصوصيتنا للمعلنين. أصبحنا نعيش في “خوارزميات” تقرر لنا ما نرى ومن نصادق، وظهرت مفاهيم مثل “غرف الصدى” وتزييف الوعي. لقد تحول الإنترنت من فضاء للحرية إلى منصات مركزية تملكها قلة من الشركات التي تسيطر على تدفق المعلومات العالمي. هنا بدأ السؤال يلح: هل هذا هو الإنترنت الذي حلم به المبدعون الأوائل؟

الويب 3.0: العودة إلى اللامركزية والملكية

نحن الآن نقف على أعتاب عصر جديد، “الويب 3” (Web3). إذا كان الويب 1 للقراءة، والويب 2 للقراءة والكتابة، فإن الويب 3 هو عصر “القراءة والكتابة والامتلاك”. المحرك الأساسي هنا هو تقنية “البلوكشين” التي تهدف لكسر مركزية الشركات الكبرى وإعادة السلطة للمستخدمين.

في الويب 3، لا نحتاج لوسيط ليخزن بياناتنا أو يمرر أموالنا. الفكرة هي بناء إنترنت “لا يحتاج إلى ثقة” بمؤسسات معينة، لأن الثقة مبنية في الكود البرمجي نفسه. هنا تظهر “الهوية الرقمية” التي تملكها أنت وحدك، ولا يستطيع أي موقع إغلاق حسابك أو مصادرة محتواك. العملات الرقمية، والـ NFTs، والمنظمات المستقلة (DAOs) ليست سوى أدوات لهذا العالم الجديد.

تخيل إنترنت حيث تكون أنت الشريك في المنصة التي تستخدمها، وحيث تعود أرباح بياناتك إليك لا إلى خادم في “سيليكون فالي”. الويب 3 يسعى لتحويل الإنترنت إلى “بروتوكول” عام يشبه الهواء والماء، لا يملكه أحد ويستفيد منه الجميع. إنه محاولة تقنية لإعادة الأخلاق والخصوصية إلى الفضاء الرقمي، وخلق اقتصاد إنترنت أكثر عدلاً وشفافية.

الإنسان والشبكة: تأمل في المصير الرقمي

بين “أربانت” والـ “ويب 3″، قطعت البشرية رحلة مذهلة في أقل من ستين عاماً. لقد غير الإنترنت مفاهيمنا عن الصداقة، والعمل، والوطن، وحتى عن الحقيقة. نحن اليوم كائنات “هجينة”، جزء منا يعيش في العالم المادي، والجزء الأكبر يسبح في الغيمة الرقمية.

هذا التاريخ الحافل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة علاقتنا بالأدوات التي نصنعها. هل الإنترنت هو الذي شكل وعينا الحديث، أم أن وعينا هو الذي دفع الإنترنت ليتطور بهذا الشكل؟ نحن لا ننظر إلى تاريخ تقني فحسب، بل ننظر إلى سيرة ذاتية للجنس البشري في العصر الحديث؛ سيرتنا في رغبتنا بالاتصال، في خوفنا من العزلة، وفي سعينا الدائم نحو الحرية والتحكم.

بينما نتحرك نحو مستقبل أكثر ذكاءً وتداخلاً، يظل الإنترنت ذلك الفضاء الذي يعكس أجمل ما فينا وأقبح ما فينا. هو مخزن الحكمة البشرية، وهو أيضاً ساحة للصراعات والتضليل. ومع كل مرحلة جديدة، نكتشف أن التقنية وحدها لا تكفي لصناعة عالم أفضل؛ بل الإنسان ووعيه هما اللذان يقرران ما إذا كانت هذه “الشبكة” ستكون جسراً للارتقاء، أم خيوطاً للعنكبوت تقيد حركتنا وفكرنا. يظل السؤال مفتوحاً مع كل نقرة وكل ومضة شاشة: إلى أين ستأخذنا هذه الرحلة في محطتها القادمة؟ وكيف سنبدو نحن حين نصل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى